الشيخ محمد هادي معرفة
260
تلخيص التمهيد
البدوي لا يستطيع النطق كالحضري ، ولا الامّي يتمكَّن في تعبيره كالمثقَّف الفاضل . ولا الصغير كالكبير ، ولا الشيخ كالشابّ . فضلًا عن اختلاف لهجات القبائل في تعبير كلمة واحدة ، بما تعجز كلُّ قبيلة عن النطق بغير ما تعوَّدت عليه في حياتها . وهكذا اختلاف أمم غير عربية في القدرة على النطق بالألفاظ العربية ، فلو كانت الامَّة الإسلامية على مختلف شعوبها مكلَّفة بالنطق على حدٍّ سواء لكان ذلك من التكليف بغير المستطاع ، و « لا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْساً إِلَّا وُسْعَها » « 1 » . وقد روى الإمام جعفر بن محمَّد الصادق عن آبائه عن رسول اللَّه صلَّى اللَّه عليه وعليهم أجمعين قال : إنَّ الرجل الأعجميّ من امَّتي ليقرأ القرآن بعجميّته ، فترفعه الملائكة على عربيّته « 2 » . وهذا هو معنى قوله صلى الله عليه وآله : إنّي بعثت إلى امَّة امّيّين ، منهم العجوز والشيخ الكبير والغلام والجارية والرجل الذي لم يقرأ كتاباً قطُّ « 3 » فرخَّص لُامَّته أن يقرأوا القرآن على سبعة أحرف ، على اختلاف لهجاتهم ، لا يكلَّفون لهجة خاصَّة هم عاجزون عنها . وقوله في رواية أخرى : فاقرأوا كيف شئتم - أي كيفما استطعتم - أو قوله : يقرأ كلُّ رجل منكم كما علم - أي كما يحسنه حسب معرفته ومقدرته في التعبير والأداء - « 4 » . ومن ذلك ما رواه أبو العالية قال : قرأ على رسول اللَّه صلى الله عليه وآله ، من كلّ خمسٍ رجل ، فاختلفوا في اللغة - أي في اللهجة - فرضي قراءتهم كلّهم ، فكان بنو تميم أعرب القوم « 5 » . قال ابن قتيبة : فكان من تيسيره تعالى أن أمره صلى الله عليه وآله بأن يقرئ كلَّ قوم بلغتهم وما جرت عليه عادتهم : فالهذلي يقرأ « عتّى حين » يريد « حَتَّى حِينٍ » « 6 » لأنَّه هكذا يلفظ بها ويستعملها .
--> ( 1 ) البقرة : 286 . ( 2 ) وسائل الشيعة : ج 4 ص 866 . ( 3 ) سنن الترمذي : ج 5 ص 194 رقم 2944 . ( 4 ) راجع تأويل مشكل القرآن : ص 34 . ( 5 ) تفسير الطبري : ج 1 ص 15 . ( 6 ) المؤمنون : 54 .